التوظيف الذكي يضمن إستدامة المنظمات باستدامة رأسمالها البشري

التوظيف الذكي يضمن إستدامة المنظمات باستدامة رأسمالها البشري

لا أحد ينكر أهمية إدارة الموارد البشرية ودورها الإستراتيجي في تنمية وتطوير الموظفين في المنظمات وذلك لضمان إستمراريتهم في العمل بأداء عال ورغبة شديدة للإنجاز. وقد تحول دور إدارة الموارد البشرية من دور تقليدي قديم قائم على إدارة شؤون الموظفين المتعلقة بالإجازات والرواتب والإنذارات والعمليات الورقية إلى إدارة الموارد البشرية ومن ثم إلى إدارة الرأس المال البشري التي تعمل على هدف واحد وهو تعظيم العائد على الاستثمار من الرأس المال البشري    (Human Capital Return on Investment (HCROI.

لكن هنا يجب أن نتوقف قليلا ونرجع خطوة إلى الوراء وهي اختيار وتعيين هذا الرأس المال البشري وهذه الموارد الكفؤة وكيفية الإستفادة منها لتعظيم العائد من الاستثمار بها، نعم إنه موضوعنا في هذه المقالة التي ستفتح عيوننا إلى أهمية دور التوظيف ولا اكون مبالغا إن قلت، إلى أن أهم دور في إدارة الموارد البشرية هو كيفية إختيار المورد البشري صاحب الخبرة والشغف باختصاصه وتحويله إلى رأسمال لاحقا. ففي دراسة أجريتها بالتعاون مع د. رضوان شغري – الأستاذ المشارك في جامعة الجنان في لبنان بعنوان أثر توظيف الموارد البشرية للشغف بالإختصاص على إبداع وتطور الشركات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والتي أجريت على عينة من 350 مشاركا من (لبنــان، والســعودية، والإمــارات، والكويــت، وقطــر، والأردن، ومصــر، والجزائــر، وتونــس) وامتدت لمدة ستة أشهر، وجدنا أن 44.9% من المشاركين يبحثون عن الخبرة في المرشح و 31.4% يبحثون عن عامل الشغف للعمل وهنا يجب أن نقف كثيرا عند هذه النسبة والتي تعطي معيارا جديدا لعملية التوظيف وهو الشغف للعمل وهذا الشغف لا يمكن قياسه بل يمكن حسه واكتشافه بكلام المرشح وتعابيره عندما يتكلم عن اختصاصه وعمله بكل ثقة وسعادة وانبهار.

automation-of-recruitment

بعد هذه المرحلة علينا أن نستخدم الذكاء في التوظيف والذي بدوره يجعلنا نحصل على المرشح الأفضل للوظيفة مع بعض المميزات الأخرى، المميزات الأخرى؟ نعم، لنعطي مثالا على ذلك: عندما نريد زيارة طبيب أسنان، فلماذا نختار هذا الطبيب وليس الآخر وقد يكون الإثنين متخرجين من نفس الجامعة ولديهما نفس سنوات الخبرة ونفس مؤشرات النجاح؟ الجواب: لأننا نبحث على ما هو أكثر من مجرد خدمة أسنان. فلو سألت نفسك، قد تجد أنك تختار الطبيب الفلاني لأنه كثير التبسم والتحدث إليك أو مرتب الثياب أو أو أو .. معايير لا تتعلق بجودة الخدمة الفعلية بتاتا. وهذا هو موضوع التوظيف الذكي، يجب على الشركات أن توظف الأفضل الذي لديه مهارات ومعارف تتعدى مهارات القيام بالمهام المطلوبة فقط وذلك لكي تعظم العائد على الإستثمار من هذا التعيين. ففي نفس الدراسة التي تكلما عنها سابقا وجدنا أن 64.9% من الباحثين عن الوظائف يهتمون بالراتب كمعيار أول لقبول عرض العمل وهنا المكان الذي تتم فيه عملية التوظيف الذكي.

soft-skillsعند مقابلة المرشح للوظيفة على إدارة التوظيف محاولة اكتشاف مهارات ومواهب المرشحين التي تتعدى فقط المعرفة والقدرة على القيام بالمهام المطلوبة وذلك للمفاضلة بين المرشحين واستخدام هذه المهارات والمواهب في بعض مهام او مبادرات الشركة الجانبية. فأنا مثلا أعمل في إدارة قياس الأداء ولدي بعض المهارات التي تتعدى المعرفة والقدرة على القيام بالوظيفة، مثل: خبرة في التدريب على بعض البرامج الإدارية والمهارات الخفيفة والحياتية وكذلك لدي هواية وخبرة في استخدام برامج تعديل الفيديو وأيضا لدي هواية وخبرة في كتابة المقالات الإدارية والأبحاث العلمية، هذه المهارات قد تنفع الشركة التي أعمل بها في كثير من مبادراتها التي تنفذها. فهنا على إدارة التوظيف أن تستخدم الذكاء في عملية التوظيف وذلك بإعطاء هذا المورد ما يهتم به كثيرا كالراتب والتدريب او البدلات العينية والمحفزات وتتفق معه على أنه قد تحتاجه المنظمة في بعض المهام المرتبطة بالمهارات التي لديه، وبهذا التصرف، تكون الشركة قد وفرت على نفسها توظيف عدة أشخاص لعدة مهام بشخص واحد. ولكن هنا يجب على الشركة أن تعرف أن هذه المهارات ليست جزءا من العمل والتقصير فيها أحيانا لمصلحة المهام الرئيسية، لا يعد تقصيرا بتاتا بل إدارة أولويات.

خلال 9 أشهر من عام 2018 أجريت مقابلات شخصية مع عدد من الموظفين في عدة شركات في المملكة العربية السعودية وفي لبنان وكان محور المقابلة هو إمكانية مغادرة الموظف لعمله مع إيجاد أول فرصة عمل فقد خلصت نتائج مقابلاتي إلى أن 230 من أصل 310 موظفين مستعدين لأول فرصة عمل خارج الشركة وقد أشار 78% من ال 230 بأن شركاتهم لا تستغل مهاراتهم وقدراتهم بشكل كامل في عملهم ويمكنهم إعطاء المزيد من الإنجازات لو فتح لهم المجال لأعمال أخرى أو مناصب أعلى. وكذلك أشار عدد 198 من المشاركين بأنهم لا يتلقون أي تدريب في شركاتهم و اشار الباقي بأنهم لا يتلقون التدريب الكافي من وجهة نظرهم وفيما أشار 53 مشارك بأنهم يشاركون في برامج تدريبية وتطويرية على نفقتهم الخاصة وذلك لكي يواكبوا التطورات العالمية في اختصاصاتهم ومجالاتهم.

إن التوظيف الذكي يقوم على بناء استراتيجية الإحتفاظ بالموظف لأطول فترة ممكنة ووضع الخطط الإستراتيجية لوجوده في المنظمة والدور الذي يلعبه بشكل دقيق جدا، ليس التوظيف بعدد الموظفين الذين تم تعينهم بأقل فترة ممكنة، بل التوظيف الذكي هو بالقيمة المضافة للموظفين الذين تم توظيفهم. ولذلك، على المنظمات الإفتخار بقيمة موظفيها وليس بعددهم وعليها الإفتخار بكمية الإنجازات المحددة التي تم تحقيقها وليس بكمية ساعات العمل التي تم تسجيلها.

ففي النهاية إن استغلال المهارات الموجودة لدى الموظفين ووضعهم في الأماكن المناسبة لهم واعطائهم المهام التي تناسب مهاراتهم وقدراتهم، تجعلهم أكثر إنتاجية وأكثر سعادة وأكثر رغبة في الإنجاز وإن هذه الإستراتيجية هي من صلب عمل إدارة الموارد البشرية لتعظيم العائد من الإستثمار في الرأس المال البشري، كي لا تكون مجرد بيئة تدريب داخلية مدفوعة الأجر لبعض الموظفين الذين قد يبحثون عن أماكن أخرى وبيئة عمل إحترافية تضمن لهم تحقيق رغباتهم المهنية والتطويرية.

Posted in Blogs.

3 Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *