القاتل الأول للثقافة المؤسسية هو .. الدبلوماسية والسياسة

القاتل الأول للثقافة المؤسسية هو .. الدبلوماسية والسياسة

تسعى جميع المنظمات لترويج مصطلح الثقافة المؤسسية وبيئة العمل الداخلية وتتنافس فيما بينها بهذه الشعارات الرنانة، ولا يخلو لقاء أو اجتماع أو حديث داخلي إلا وترى هذا المصطلح متصدر الأضواء ويظهر في كلام جميع التنفيذيين والمدراء وحتى صغار الموظفين. ولكن هل هناك ثقافة مؤسسية بالفعل؟ وهل هذه الشعارات والبروباغاندا حقيقية وفاعلة؟

لو دخلت عالم الشركات وخصوصا العربية منها والعائلية بشكل خاص، تجد أن هناك مصطلح سارٍ على لسان عدد لا بأس به من التنفيذيين وهو مصطلح (الدبلوماسية أو السياسة) (Politics)   وهو المصطلح الذي يعبر به الأشخاص عن منهجية العمل التي يعملون بها وعن بعض التنازلات التي يقدمونها في أماكن عملهم. فلا يقوم بعمله 100% وذلك مراعاة للدبلوماسية ولا يظهر شخصيته الحقيقية وذلك مراعاة للدبلوماسية ولا يطالب بصلاحياته وذلك مراعاة للدبلوماسية ولا يستمع إلى النصائح الجوهرية والتي تصب في صلب مصلحة المنظمة وذلك مراعاة للدبلوماسية، والأمثلة تكاد تتعدى الآلاف في هذا الخصوص.

office-politics

خلال إحدى برامجي التدريبية في إدارة الموارد البشرية، كنت أتكلم عن نفس الموضوع، فسألني أحد المتدربين سؤالا مباشرا، ولكن لماذا هناك هذا النوع من الممارسات الغير احترافية وكيف للإدارة العليا أن ترضى بذلك؟ سؤال مباشر وصحيح ويصب في صلب الموضوع مباشرة. فبدأت المناقشة، حسنا عزيزي عبدالعزيز، لنفترض أنك مدير عام الإستثمارات في إحدى المنظمات وهذه المنظمة يديرها عدد من الأفراد الذين ينتمون لعائلة واحدة وهؤلاء الأفراد لديهم مناصب معينة وتحت كل فرد منهم هناك التنفيذيين الذين يتبعون له إداريا وتقنيا وولائيا .. والجميع يعمل لمصلحة الشركة ولا نشك بولاء أحد فيهم بتاتا. السؤال هنا: مع من تقف في حال هناك أي تصرف غير احترافي من هؤلاء الأفراد؟ هل ستقف أمام رئيسك في العمل أو الموازي له وتقول له أنت أخطأت وأن هذا التصرف غير احترافي؟ خصوصا إن كان راتبك يعتبر مميزا جدا وتحصل على بدلات مميزة وبنفس الوقت لديك التزامات كبيرة وعائلة ورائك؟ أريد جوابا صادقا وليس بطولي في هذه الجلسة. فرد بسرعة عبدالعزيز، بل سأستخدم الدبلوماسية حتى لا يكون هناك ردة فعل تجاهي. إنتهى النقاش !!!

كذلك، في يوم من الأيام كنت في زيارة لأحد أصدقائي والذي يعمل في شركة كمدير عمليات، وخلال الجلسة أتاه إتصال وسمعته يتكلم مع أحد الأشخاص ويوافق على كل شيء بحاضر وسيتم هذا الأمر كما تريد واعتبر الأمر منجزا. وبعد دقائق أتاه إتصال آخر وفيه نفس السياق الخاص بالإتصال الأول وهو الموافقة على ما يطلب منه المتصل. فقلت له، أخبرني أمر الإتصالين فوجدتك تبتسم خلال المكالمتين وكأن شيء يحدث. فقال لي: نعم، إتصالين من تنفيذيين كبيرين في الشركة والإثنين لا يريدان أن يتم إنجاز الأمر بتوجيه من الآخر وأنا أوافق على الإثنين. فقلت له: ولكن، كيف سيتم تنفيذ الأمر؟ فقال لي: سأنفذ الأمر بأقل الخسائر الممكنة ولا يكون هناك فائزا من بينهما. فقلت له: ولكن ماذا لو كان توجيهات أحدهما هي الأفضل. فقال لي: والأمر كذلك ولكن الدبلوماسية والسياسة تقتضي أن آخذ من كل واحد فيهما شيئاً معين ولا يكون هناك منتصر من بينهما، حتى يستمر العمل. فهناك صراع داخلي على القوة والنفوذ بينهما.

office-politics

هذا ما يحصل في عالم المنظمات، حيث كل شخص في موقع معين يهتم في منصبه ومكانه وأهدافه الشخصية ويتنازل عن جزء من مصلحة العمل والمنظمة عند أول مفترق طرق. من هنا يبدأ المرض يفتك بالثقافة المؤسسية ومن هنا يبدأ العد التنازلي لأضعف أداء للمنظمات. سيتوقف الجميع عن قول الحقيقة ولو كانت قاسية في سبيل العمل وذلك لضمان أماكنهم ومناصبهم ووجودهم بالتحديد. ولكن في نفس الوقت، ليس الخطأ عليهم، بل الخطأ على من سمح لهذا المرض أن ينتشر وينهش في بنية المنظمة. وترى العديد من هؤلاء المدراء أو الأشخاص في أعلى المناصب وترى هؤلاء أصحاب الكلمات القاسية والتي تصب في مصلحة العمل في الصفوف الخلفية ولا دور استراتيجي حقيقي لهم وذلك بسبب عدم امتلاكهم لمهارة السياسة التنظيمية ويشكلون إحراج لمن هم في مناصب حساسة جدا.

ما إن تفشى عنصر الدبلوماسية والسياسة في المنظمات فهذا يعني فشل كافة المشاريع وكافة الإستراتيجيات وكافة الأهداف الموضوعة وما إن كانت كلمة الحق القاسية والممارسات الإدارية الإحترافية هي الطاغية والمتبعة داخليا، سيكون هناك تميز في العمل وقوة في تصحيح الأخطاء ورغبة في الإنجاز وتحسن في الأداء. لذلك نصيحتي هنا قبل استخدام المصطلحات الرنانة والعالمية في العمل، على المنظمات أن تستأصل القاتل الأول للثقافة المؤسسية وهو الدبلوماسية أو السياسة.

Posted in Blogs.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *